الشنقيطي
445
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
في الضلال ؛ يقال : جال واجتال : إذا ذهب وجاء ، ومنه الجولان في الحرب : واجتال الشيء : إذا ذهب به وساقه . والعلم عند اللّه تعالى . والأمر في قوله وَعِدْهُمْ كالأمر في قوله وَاسْتَفْزِزْ ، وقوله وَأَجْلِبْ . وقد قدمنا أنه للتهديد . وقوله وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ( 64 ) بين فيه أن مواعيد الشيطان كلها غرور وباطل ؛ كوعده لهم بأن الأصنام تشفع لهم وتقربهم عند اللّه زلفى ، وأن اللّه لما جعل لهم المال والولد في الدنيا سيجعل لهم مثل ذلك في الآخرة ، إلى غير ذلك من المواعيد الكاذبة . وقد بين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ( 120 ) [ النساء : 120 ] ، وقوله : وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) [ الحديد : 14 ] ، وقوله : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [ إبراهيم : 22 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ الآية . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن عباده الصالحين لا سلطان للشيطان عليهم ؛ فالظاهر أن في الآية الكريمة حذف الصفة كما قدرنا ، ويدل على الصفة المحذوفة إضافته العباد إليه إضافة تشريف . وتدل لهذه الصفة المقدرة أيضا آيات أخر ؛ كقوله : إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) [ الحجر : 40 ] ، وقوله : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) [ النحل : 99 - 100 ] ، وقوله : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) [ الحجر : 42 ] ، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه . قوله تعالى : وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ( 67 ) أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ( 68 ) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً ( 69 ) [ 67 - 69 ] . بين جل وعلا في هذه الآيات الكريمة : أن الكفار إذا مسهم الضر في البحر ؛ أي اشتدت عليهم الريح فغشيتهم أمواج البحر كأنها الجبال ، وظنوا أنهم لا خلاص لهم من ذلك - ضل عنهم ؛ أي غاب عن أذهانهم وخواطرهم في ذلك الوقت كل ما كانوا يعبدون من دون اللّه جل وعلا ؛ فلا يدعون في ذلك الوقت إلا اللّه جل وعلا وحده ؛ لعلمهم أنه لا ينقذ من ذلك الكرب وغيره من الكروب إلا هو وحده جل وعلا ، فأخلصوا العبادة والدعاء له